تتواصل التحولات الكبرى في أسواق الطاقة العالمية، حيث نجحت الصين، رغم كونها أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، في استغلال أزمة الطاقة لصالحها عبر خطوات استراتيجية مدروسة. وأظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن إدارة الجمارك قفزة كبيرة في صادرات البلاد من المنتجات البترولية المكررة خلال شهر سبتمبر من عام 2026، مدفوعة بالنقص العالمي في الإمدادات وتأثير النزاعات الإقليمية في الشرق الأوسط وروسيا على الإنتاج.
سجلت صادرات الصين من المنتجات المكررة نمواً سنويًا بنسبة بلغت 39.4 بالمئة لتصل إلى 7.16 مليون تن. وفي الوقت ذاته، شهدت صادرات الديزل طفرة غير مسبوقة بزيادة قياسية بلغت 262.3 بالمئة لتسجل 1.85 مليون تن، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله منذ شهر فبراير من عام 2023، مما يعكس قدرة قطاع الطاقة الصيني على التكيف السريع مع المتغيرات الدولية.
من القيود إلى السيطرة على السوق
كانت السلطات في الصين قد فرضت منتصف شهر مارس من عام 2026 قيودًا مؤقتة على تصدير المنتجات المكررة مثل الديزل والبنزين ووقود الطائرات، بهدف تأمين السوق المحلية وحمايتها من مخاطر الاضطرابات في الشرق الأوسط. ومع ضمان استقرار الإمدادات الداخلية، خففت الحكومة تلك القيود منتصف يوليو، لتستأنف بكين تدفقات التصدير بقوة خلال شهري أغسطس وسپتمبر.
وعلى مدار الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، بلغ إجمالي صادرات المنتجات البترولية المكررة 41.4 مليون تن بتراجع طفيف بلغ 3.7 بالمئة على أساس سنوي. وفي المقابل، ارتفع إجمالي صادرات الديزل بنسبة 31.6 بالمئة ليصل إلى 6.68 مليون تن. أما وقود الطائرات فقد بلغ 13.7 مليون تن، بينما سجل البنزين 3.04 مليون تن. وفي قطاع الغاز، وصلت واردات الصين من الغاز الطبيعي المسال خلال الأشهر التسعة الأولى إلى 44.62 مليون تن.
القدرة التكريرية والاحتياطي الاستراتيجي
لا تعتبر الصين دولة مصدرة للنفط الخام، بل يعتمد اقتصادها على الاستيراد لتغطية جزء كبير من الاحتياجات المحلية. ومع ذلك، نجحت بكين في التحول إلى لاعب رئيسي ومتحكم في أسواق المنتجات المكررة بفضل استراتيجيتها الممتدة لأرباع قرن في بناء احتياطيات نفطية وطنية ضخمة، إلى جانب تطوير قطاع تكرير يمثل اليوم ثاني أكبر قدرة تكريرية في العالم.
تتيح المصافي الصينية المتقدمة وعالية الكفاءة تلبية احتياجات السوق الداخلية بالكامل، مع توفير فائض كبير يتم توجيهه إلى الأسواق الإقليمية والدولية لسد الفجوة الناتجة عن الأزمات الجيوسياسية ونقص الإمدادات، مما يثبت نجاح السياسات المرنة التي تتبعها في إدارة أزمات الطاقة.



