نجح علماء الفيزياء في إجراء تجربة رائدة تعيد صياغة فهمنا لقوانين الديناميكا الحرارية، عبر إثبات قدرة الآلات المجهرية على استخراج طاقة مفيدة من المعلومات غير المرئية. التجربة، التي نُشرت نتائجها في دورية «نيتشر فيزيكس»، تفتح آفاقًا جديدة لتطوير محركات نانوية قادرة على العمل دون الحاجة إلى فوارق درجات الحرارة التقليدية، وهو ما يمثل نقلة نوعية في علوم الطاقة الدقيقة.
استغلال ذاكرة السوائل
استندت التجربة إلى مفهوم «شيطان ماكسويل» التاريخي، وهو فرضية فيزيائية ظهرت في القرن التاسع عشر تفترض وجود كيان ذكي قادر على التلاعب بالجزيئات لإنشاء تفاوت حراري دون استهلاك طاقة. وفي هذا البحث، قام الباحثون باحتجاز جسيم من السيليكا يبلغ قطره 2.7 ميكرون داخل سائل باستخدام ملاقط ضوئية تعمل بالليزر. اكتشف الفريق أن السائل ليس مجرد وسط خامل، بل يحتوي على «ذاكرة» تتشكل نتيجة تفاعل جزيئات السائل مع حركة الجسيم، مما يسمح بتخزين معلومات حول الحركات السابقة للجسيم.
المعلومات كمورد فيزيائي
أكدت الدراسة أن المعلومات بحد ذاتها تمثل موردًا فيزيائيًا يمكن تحويله إلى شغل ميكانيكي. ومن خلال إجراء قياسات دقيقة على فترات زمنية محددة، تمكن العلماء من استنتاج حالة الشبكة الدقيقة للسائل، وهي معلومات كانت تعتبر سابقًا «مخفية». وبفضل هذا الفهم، أصبح من الممكن توجيه هذه المعلومات المخزنة في بيئة السائل لاستخراج طاقة إضافية، مما يثبت أن الذاكرة المحيطة بالأنظمة المجهرية يمكن أن تعمل كوقود ميكانيكي.
مستقبل المحركات المجهرية
تعد هذه النتائج بالغة الأهمية لتطوير محركات نانوية ومجهرية تعمل في ظروف معقدة، مثل البيئات البيولوجية أو السوائل ذات الخصائص التركيبية المعقدة. وعلى الرغم من أن هذه التقنية لا تزال في مراحلها النظرية والتجريبية الأولى، إلا أنها تمهد الطريق لتجاوز الاعتماد التقليدي على مصادر الحرارة الخارجية، من خلال تسخير التقلبات والذاكرة البيئية المحيطة كعنصر فعال في إنتاج الطاقة. ويؤكد الباحثون أن هذا العمل يظل متوافقًا تمامًا مع القوانين الأساسية للفيزياء، حيث إن عملية إدارة المعلومات ومسح البيانات الزائدة تستهلك طاقة، مما يحافظ على سلامة القانون الثاني للديناميكا الحرارية.



